عبد الوهاب الشعراني

366

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

وروى مسلم وأبو داود مرفوعا : « من يحرم الرّفق يحرم الخير » . وروى الطبراني مرفوعا : « إنّ اللّه عزّ وجلّ يحبّ الرّفق ويرضاه ويعين عليه ما لا يعين على العنف » . وروى البزار وابن حبان في « صحيحه » مرفوعا : « ما كان الرّفق في شيء قطّ إلّا زانه » . وروى أبو الشيخ مرفوعا : « إنّ العبد ليدرك بالحلم درجة الصّائم القائم » . وروى الأصبهاني مرفوعا : « وجبت محبّة اللّه على من أغضب فحلم » . وروى أبو الشيخ عن ابن مسعود قال : « كأنّي أنظر إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يحكي أنّ نبيّا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدّم عن وجهه وهو يقول : اللّهمّ اغفر لقومي فإنّهم لا يعلمون » . والأحاديث في ذلك كثيرة ، واللّه تعالى أعلم . [ تعويد النفوس طيب الكلام : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نعوّد نفوسنا طيب الكلام وطلاقة الوجه لكل مسلم من عدو وصديق . ويحتاج من يريد العمل بهذا العهد إلى سلوك على يد شيخ ناصح يدخل به الحضرات الإلهية ، فيشهده محاسن الوجود ويحجبه عن مساويه إذ المحاسن هي الأصل والمساوي عارضة عرضت من حيث الأحكام الشرعية لا غير ، فإذا شهد تلك المشاهد صار يخاطب من الخلق السر القائم بهياكلهم لا هم ، ومن كان يخاطب سر اللّه تعالى فكأنه يخاطب اللّه ، ومن كان هذا مشهده رزق من طيب الكلام وطلاقة الوجه ما لا يقدر قدره وجنبه اللّه كل كلام جاف . وقد كان سيدي أحمد بن الرفاعي إذا لقي خنزيرا أو كلبا قال أنعم صباحا ، فقيل له في ذلك ؟ فقال أعود نفسي الكلام الطيب ، وكان يخبر أن ذلك كان من خلق السيد عيسى عليه السلام . قال : ومر الحواريون يوما على كلب ميت فقالوا ما أشد نتن ريحه يا روح اللّه ! فقال هلا قلتم ما أشد بياض أسنانه ا ه . فعلم أن من لم يسلك على يد شيخ كما ذكرنا فمن لازمه غالبا الكلام الجافي للناس لا سيما أصحاب الموازين على ظاهر الشرع ، فإنهم يزدرون ويحتقرون كل من خالف ما فهموه ويغلظون عليه الكلام ، إلا إن كان له مال أو جاه كما هو مشاهد منهم حال خطابهم الأمراء والمباشرين مع علمهم بمظالمهم وشربهم الخمر وتضييع الصلوات وغير ذلك ، فيتلطفون بهم في حال خطابهم أشد الملاطفة بخلاف من لا مال له ولا جاه من الحشاشين وأصحاب الكتب ، ولو فتح اللّه عيون بصائر هؤلاء لتلطفوا في كلامهم لسائر المسلمين ، فإن ذلك أقرب إلى انقيادهم لهم وسماع وعظهم . وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول : من شرط الداعي إلى اللّه تعالى أن لا يكون عنده غلظة ولا فظاظة على الفسقة المارقين ، بل يجب عليه تليين الكلام والتقرب